أحمد بن سهل البلخي
377
مصالح الأبدان والأنفس
الساكن أكثر ممّا يؤثّر في المتحرّك ، وهو يؤثّر في الرّاكب أكثر ممّا يؤثّر في الماشي ؛ لأنّ الرّاكب هو كالساكن من جهة الحركة التي تنسب إليه . ويعتبر ذلك بما يفعله البرد في الماء الرّاكد من إجماده إيّاه قبل إجماده الماء الجاري . ويجب أن يتوقّى السير في شدّة البرد وهو خاو ؛ لأنّ الخاوي يسرع إليه البرد ، وذلك أنّ باطن جسده يبرد ، فيقبل البرد الذي يرد من خارج سريعا للمشاكلة . وكذلك يجب ألا يتعرّض للسير وهو مستكمل الشّبع ؛ لأنّ الطاعم الشبعان تغور حرارته لهضم الغذاء ، فتقلّ الحرارة في ظاهر جسده ، ويقبل البرد سريعا ، ولكن يكون حاله عند قصده السير في البرد حالا متوسّطة بين الجوع / والشّبع . وممّا يعينه على البرد ويكفّ أذيّته عنه الأشياء الحارّة القويّة الحرارة ، مثل الثّوم والخردل وأشباههما . وخير من ذلك الشراب الرّقيق الصّلب القويّ المرّ ، فإنّه لا يدفع أذى البرد عنه شيء كدفعه ؛ لأنّه يسخّن الدّم في عروقه ، ويملأ أوعية الجسد أبخرة حارّة تقاوم البرد الذي يصل إلى ظاهر البدن ، وتمنعه من النّفوذ فيه ، ومن أن يخلص إلى عمق البدن منه ما يضرّ به ؛ فينبغي أن يتناول منه بقصد ، وقدر ما لا يؤديه إلى السّكر ، فإنّه لا يجد له شيئا أنفع له ولا أعون على احتمال أذى البرد منه . وقد أطنبنا القول في تدبير الاحتراس من البرد ، وذلك لما قدّمناه من أنّ مضادّته للإنسان أكثر ، وإضراره به أشدّ . 1 / 4 / 9 : فأمّا تدبير التحرّز من أذى الحرّ الواصل إلى الإنسان من خارج ، فقد دخل في جملة ما أجرينا ذكره في معنى التحرّز من البرد ، إلا أنّا نزيد مسرحا « 1 » بقولنا : إنّه يحتاج / في شدّة الحرّ إلى أن ينتقل إلى المواضع الجبليّة العالية إن أمكن ذلك ، كما قدّمناه في باب اختيار المساكن ، وإن لم يمكن فينبغي أن يختار البيوت الكنينة ، الكثيفة الحيطان ، الرّفيعة السّمك ، التي تكون للرّياح الهابّة إليها مسلك ومخترق ، بعد التقدّم
--> ( 1 ) سرح الشيء سرحا : أرسله ( المعجم الوسيط س ر ح 1 / 425 ) .